كأس العالم 2026: من يحصد المليارات؟ كيف يربح الفيفا بينما تتحمل الدول المضيفة فاتورة الاستضافة

كأس العالم 2026 يحقق مليارات الدولارات، لكن هل تستفيد الدول المضيفة فعلاً؟ تعرف على أرباح الفيفا وخسائر ومكاسب الدول من استضافة المونديال.

يونيو 10, 2026 - 22:06
 0  1
كأس العالم 2026: من يحصد المليارات؟ كيف يربح الفيفا بينما تتحمل الدول المضيفة فاتورة الاستضافة

كأس العالم 2026.. من الرابح الحقيقي؟ قراءة في المكاسب والخسائر الاقتصادية للدول المضيفة

مع اقتراب انطلاق كأس العالم 2026 في 11 يونيو، تستعد 16 مدينة موزعة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك لاستقبال الحدث الرياضي الأكبر على مستوى العالم. وبينما تتجه أنظار الجماهير نحو المنتخبات والنجوم المرشحين لرفع الكأس، يبرز سؤال اقتصادي لا يقل أهمية: من المستفيد الأكبر مالياً من تنظيم البطولة؟

لطالما ارتبطت استضافة كأس العالم بفكرة تحقيق طفرة اقتصادية وتنموية للدول المضيفة، إلا أن مراجعة التجارب السابقة تكشف صورة أكثر تعقيداً. فبين الوعود بالمليارات وفرص العمل والاستثمارات الجديدة، تظهر تحديات مالية ضخمة وتكاليف قد تستمر آثارها لسنوات طويلة بعد انتهاء المنافسات.

أرقام قياسية في مونديال 2026

تشير التقديرات الاقتصادية المرتبطة بكأس العالم 2026 إلى أرقام غير مسبوقة، حيث يتوقع أن تسهم البطولة بما يقارب 40.9 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

كما تشير الدراسات إلى إمكانية تحقيق عوائد مباشرة تصل إلى 30.5 مليار دولار للدول المضيفة الثلاث، إضافة إلى توفير نحو 824 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة في قطاعات متعددة تشمل السياحة والنقل والخدمات والبنية التحتية.

في المقابل، يتوقع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) أن تتجاوز إيراداته خلال دورة 2023-2026 حاجز 13 مليار دولار، مدفوعة بحقوق البث التلفزيوني التي تقدر بنحو 4.3 مليارات دولار، إلى جانب عقود الرعاية التجارية التي تقترب من 2.7 مليار دولار.

لكن خلف هذه الأرقام المبهرة تكمن حقيقة أساسية؛ فالحصة الأكبر من الإيرادات التجارية تذهب إلى الفيفا، بينما تتحمل المدن والدول المضيفة الجزء الأكبر من النفقات التشغيلية والاستثمارية.

"الأفيال البيضاء".. الوجه الآخر لاستضافة المونديال

يستخدم الاقتصاديون مصطلح "الأفيال البيضاء" للإشارة إلى المشاريع الضخمة والمكلفة التي يتم إنشاؤها خصيصاً للأحداث الكبرى، ثم تتحول لاحقاً إلى عبء مالي بسبب ضعف استخدامها بعد انتهاء الحدث.

وتوفر تجارب كأس العالم السابقة أمثلة واضحة على هذا التحدي.

قطر 2022.. استثمار يتجاوز الحسابات التقليدية

سجلت قطر الرقم الأعلى في تاريخ استضافة كأس العالم من حيث الإنفاق، إذ تشير التقديرات إلى استثمارات تجاوزت 220 مليار دولار في مشاريع البنية التحتية.

شملت هذه الاستثمارات إنشاء مدينة لوسيل، وتطوير شبكة مترو حديثة، وتوسعة مطار حمد الدولي، وبناء عدد من الملاعب الجديدة وفق أحدث المعايير العالمية.

ورغم أن العوائد المباشرة للبطولة قدرت بنحو 17 مليار دولار فقط، فإن الدوحة لم تنظر إلى الحدث باعتباره مشروعاً لتحقيق أرباح فورية، بل كجزء من استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تنويع الاقتصاد وتعزيز مكانتها العالمية في مجالات السياحة والخدمات والفعاليات الدولية.

وتواصل قطر حتى اليوم الاستفادة من منشآتها الرياضية وبنيتها التحتية من خلال استضافة مؤتمرات وفعاليات دولية كبرى، وهو ما يعزز قيمة الاستثمار على المدى البعيد.

روسيا 2018.. أرباح محدودة وتأثير طويل الأجل متواضع

أنفقت روسيا ما يقارب 11.6 مليار دولار استعداداً لاستضافة مونديال 2018، وشهدت المدن المستضيفة تطويراً للملاعب والمطارات وشبكات النقل.

ووفق البيانات الرسمية، ساهمت البطولة في تحقيق عائد اقتصادي بلغ نحو 14.5 مليار دولار خلال الفترة بين 2013 و2018، كما أضافت قرابة 1.1% إلى الناتج المحلي الإجمالي السنوي.

إلا أن الخبراء يشيرون إلى أن التأثير الاقتصادي طويل المدى كان محدوداً نسبياً مقارنة بحجم الاقتصاد الروسي، ما يعكس طبيعة المكاسب المؤقتة التي تحققها مثل هذه الأحداث.

البرازيل 2014.. عندما تتحول الأحلام إلى أعباء مالية

تمثل البرازيل واحدة من أكثر التجارب إثارة للجدل في تاريخ كأس العالم.

فبعد أن قدرت ميزانية البطولة بنحو 17 مليار ريال برازيلي، ارتفعت التكلفة النهائية إلى 27 مليار ريال، أي ما يعادل نحو 11.5 مليار دولار آنذاك.

المشكلة الأكبر لم تكن في تجاوز الميزانية فقط، بل في بناء ملاعب ضخمة داخل مدن لا تمتلك قاعدة جماهيرية أو أندية قادرة على استغلالها بعد البطولة.

وأصبح ملعب ماناوس مثالاً شهيراً على هذه الظاهرة، بعدما تحول في فترات لاحقة إلى منشأة قليلة الاستخدام، في حين كشفت تقارير وتحقيقات عن مخالفات مالية وارتفاعات غير مبررة في تكاليف بعض المشاريع.

جنوب أفريقيا 2010.. مكاسب مؤقتة وإرث مكلف

عندما استضافت جنوب أفريقيا أول كأس عالم على الأراضي الأفريقية، كان الأمل كبيراً في تحقيق نقلة اقتصادية وتنموية.

أنفقت البلاد نحو 3.6 مليارات دولار على تجهيز البنية التحتية والمرافق الرياضية، ووفرت البطولة آلاف فرص العمل خلال مرحلة الإنشاءات.

لكن الدراسات اللاحقة أظهرت أن العديد من الملاعب واجهت صعوبات في تحقيق الاستدامة المالية بعد انتهاء البطولة، ما جعل تكاليف تشغيلها وصيانتها عبئاً مستمراً على السلطات المحلية.

وتبرز هذه الحالة التحديات التي تواجهها الدول النامية بشكل خاص عند تمويل مشاريع ضخمة لا تضمن عوائد اقتصادية مستدامة.

من يدفع التكاليف ومن يجني الأرباح؟

تكشف التجارب السابقة عن معادلة اقتصادية غير متوازنة إلى حد كبير.

فالمدن والدول المضيفة تتحمل نفقات الأمن والنقل والبنية التحتية والخدمات العامة والتشغيل، بينما يحتفظ الفيفا بمعظم مصادر الدخل الرئيسية، بما في ذلك حقوق البث والرعاية والتذاكر والتراخيص التجارية.

وفي نسخة 2026 وحدها، خصصت الحكومة الأمريكية نحو 625 مليون دولار لتغطية الجوانب الأمنية للبطولة، فيما تشير تقديرات أخرى إلى أن بعض المدن المستضيفة قد تواجه عجزاً مالياً لتغطية النفقات الإضافية المرتبطة بالحدث.

لماذا تتنافس الدول على استضافة كأس العالم رغم ذلك؟

إذا كانت الأرباح المباشرة ليست مضمونة، فلماذا تتسابق الحكومات لاستضافة المونديال؟

يرى خبراء الاقتصاد أن القيمة الحقيقية تكمن في ما يعرف بـ"القوة الناعمة" والمكاسب الاستراتيجية طويلة المدى. فالبطولة تمنح الدول فرصة استثنائية للترويج لصورتها عالمياً، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتعزيز قطاع السياحة، وتسريع تنفيذ مشاريع بنية تحتية كانت ستستغرق سنوات إضافية لإنجازها.

كما توفر الاستضافة منصة عالمية لإعادة تقديم الدولة أمام المستثمرين والشركات والزوار، وهو ما يفسر استمرار المنافسة الشرسة على استضافة الحدث رغم التكاليف الضخمة.

هل يمثل مونديال 2026 فرصة أم مخاطرة؟

يبقى نجاح كأس العالم اقتصادياً مرتبطاً بقدرة الدول المضيفة على استثمار البنية التحتية والمنشآت بعد انتهاء البطولة. فالتاريخ يوضح أن المونديال قد يكون محفزاً للتنمية والاستثمار إذا تم التخطيط له بعناية، لكنه قد يتحول أيضاً إلى عبء مالي طويل الأمد إذا انتهى الأمر بمشاريع غير مستغلة أو غير مستدامة.

وبينما يستعد العالم لمتابعة نسخة 2026 التي يتوقع أن تكون الأعلى إيراداً في تاريخ البطولة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستنجح الدول المضيفة في تحويل الحدث إلى مكسب اقتصادي حقيقي، أم أن الفائز الأكبر سيظل الفيفا كما جرت العادة؟